الرأي والتحليل

محمد طلب يكتب: الوقوف بين نصين ورمزية (الدبلة)

دوماً اكرر ان الاغنية بغض النظر عن موضوعها فهي تحمل (جوة الجوة) سجلاً تاريخياً لزمانها.
اسمح لي عزيزي القارئ ان اخذك الى (الدبلة) بين الفرح والوعد و قراءة في اغنية (هدية) للفنان محمد وردي رحمه الله و مقارنة ومقاربة مع (بوعدك يا ذاتي) للصنديد أبوعركي البخيت حفظه الله… و المشاركة الفعلية الغائبة للمرأة في الاغنيتين و(دبلتهما) فهما من بين النصوص التي ظلت حاضرة في الذاكرة و رغم اختلاف الأسلوبين، فإنهما تلتقيان حول الرمز الأكثر حضوراً في الوجدان الاجتماعي(الدبلة) بوصفها علامة على الخطوبة وبوابة الدخول إلى (البيت الجديد) بمعناه العاطفي والاجتماعي.
فالأغنية السودانية تمثل سجلاً شعورياً واجتماعياً لتجارب العاطفة وتحولاتها عبر الزمن ….
فمثلاً في عصر (القونات) المؤرخ لوجوده في فترة من فترات (الانقاذ) قد تسمع :-
*طلعت العالي عاين لي*
*نزلت الواطي اشر لي*
*شاف الدبلة في ايدي*
*قال لي مخطوبة أحي أحي*
لكن دا ما موضوعنا خلونا مع نصوص محترمة.
فحين نقرأ الأغنيتين لوردي و ابو عركي قراءة نقدية، نجد أن هذه (الدبلة) نفسها تتحول من رمز للفرح والوعد إلى دليل على حقبة تاريخية كانت فيها (المرأة موجودة) في المشهد ولكنها ليست (صانعةً له) و هذا ما يهمني بعيداً عن غناء (القونات) الذي يعبر بطريقة او باخري عن قضايا زمانه وللاسف هو زماننا الحالي
في اغنيتي وردي و ابوعركي والفارق الزمني بينهما ليس قصير فتجد أصوات مختلفة… و(فرح) عند وردي في مقابل (وعد) ثنائي لدي ابو عركي.
في (هدية) لوردي صوت الانثي واضح وناعم جداً في النص ولم يكن موجوداً من قبل فهي اشارة (تغيير) بالمجتمع وهو اعلان بصوت انثوي
*(شوفوني أنا مخطوبة)*
لكن الصوت هنا ليس صوت امرأة (تُقرر) بل صوت امرأة (تُعلن و تُخبر) العالم بخبر جميل (وقع عليها) لا بمشاركتها الفعلية و المشهد الاجتماعي ينبض به النص (أهل، حبايب، غناء، تهاني. و الخطوبة احتفال عام) والمرأة *(مركز الزينة لا مركز القرار)*
أما (بوعدك يا ذاتي) فهو خطاب مباشر من رجل يُطلق (وعداً مؤكداً)
*( بكره أهديك دبلة الحب والخطوبة)*
اللغة هنا لغة (الفعل والإرادة) و الرجل يقول إنه (لم يشاور غيره) في تأكيد على أن القرار (من طرفه) وأن (الدبلة) هدية (يمنحها) هو لا رمز (اتفاق) بين طرفين….
هنا المشهد عاطفي (ثنائي) أكثر هدوءً و رصانة من الصخب (الاحتفالي) في (هدية)
في النصين (الدبلة) رمز واحد لكن وظيفتان مختلفتان ففي (هدية) الدبلة هي (هدية) وعلامة (إعلان)
هي جزء من (طقس اجتماعي) يشارك فيه (الجميع) أشبه باللحظة التي تُعلن فيها الأسرة الفرح أمام (المجتمع)
اما في(بوعدك يا ذاتي) (يتغيير) الامر وتصبح الدبلة وعد يُبنى على الإرادة الشخصية هي جزء من خطاب (رجولي) صريح يطمئن (المحبوبة) ويُخبرها أن المستقبل (قرار) وليس مجرد مناسبة (احتفالية) *يلاحظ وجود تغيير* لكنه لا يرتقي لمستوي المشاركة الفعلية
ورغم اختلاف الوظيفتين إلا أن القاسم المشترك بينهما هو (غياب المرأة) عن لحظة (الاختيار) فالدبلة (تُقدم) إليها وليست شيئاً (تختاره) أو( تُفاوض) عليه أو تُقدمه بالمقابل…
وفي النصين تلاحظ ان *المرأة هي الغائب الحاضر*
و المفارفة ان الأغنيتين رغم جمالهما الفني تكشفان جانباً مهماً من الثقافة الاجتماعية في تلك الفترة المرأة في مركز (الاحتفال)… لكنها خارج مركز (اتخاذ القرار)
الاغنيتان تشتركان في ان (الرجل) هو الفاعل فهو المُهدي والمُقرر و صاحب الفعل .. اما (المرأة) فهي (متلقية) للرموز و فرِحة، مُباهية مُنتظرة (للوعد) أو (للهدية) …
والخطوبة حدث اجتماعي لا شخصي الأغنية تُقدم لنا صورة مجتمع يرى في الارتباط اتفاقاً (يجري في محيط العائلة) أكثر منه اختياراً (ثنائياً متوازناً)…
و الأغنية كسجل اجتماعي لا تُلام فهي تُسجل الواقع كما كان لكنها تُساعدنا اليوم في قراءة تحولات الوعي وجدل السلطة العاطفية بين الجنسين… و هذه القراءة لا تقلل من قيمة الأعمال الفنية بل توسع فهمنا لها وتُظهر كيف كان الأدب الشعبي بما في ذلك الأغنية و يعيد إنتاج بنية المجتمع قبل أن يبدأ في (تغييرها)…
و بشكل عام (هدية) أغنية بهجة.. ألوان، أزاهر، جواهر، أصوات تهنئة بالخطوبة و يد مخضوبة …
اما (بوعدك يا ذاتي) أغنية يقين .. وعد، إرادة، تعهد، مسؤولية….
و الفرق هنا هو الفرق بين (احتفال وقرار)، بين (إعلان جماعي وعهد ثنائي) .. لكن كليهما يضع المرأة في مساحة (العاطفة) وليس في مساحة (الفعل)
تكشف (هدية) و (بوعدك يا ذاتي) عن مرحلتين في الوجدان السوداني مرحلة (الاحتفال) ومرحلة (التعهد)
لكن الأهم أنهما تكشفان دون قصد عن صورة مجتمع كان يمنح المرأة (حضوراً جمالياً) وصوتياً لكنه لا يمنحها (حضوراً في صناعة القرار) بل الاحتفاء به و خروجها من دائرة (البورة) ولعنتها المجتمعية …
إن مراجعة هذه النصوص اليوم ليست انتقاداً للفنانين بل محاولة لفهم (اللحظة التاريخية) التي كُتبت فيها النصوص ولرسم أفق جديد يمكن أن تكون فيه (الدبلة) قراراً مشتركاً لا هبة تُقدم او هدية يُحتفي و يُحتفل بها و تقول (شوفوني)..
اليوم تغير المشهد أصبحت المرأة تختار دبلة الخطوبة وتشارك في تشكيل مستقبلها و (تفاوض) وترفض و تقبل. لكن حين نعود إلى تلك الأغاني ندرك أنها لا تغني عن الحب فقط بل تغني عن تاريخ اجتماعي كامل كانت فيه المرأة (جزء من الصورة) ولكن خارج( إطار الفعل)….
وختاماً ها هو ما كانت عليه المرأة سابقاً ينطبق علينا الان في الحرب (السودانية السودانية) فكما كانت (دبلة الخطوبة) في تلك الأغاني تُقدم للمرأة دون أن يُسمح لها باختيارها يبدو المشهد السوداني اليوم مثقلاً بعقلية قديمة و مشابهة لعقلية تريد صناعة المستقبل للناس دون (تفاوض) و إشراك و تصر على قرار واحد لا يُناقش… و تختصر كل أبواب الحل بكلمة واحدة (بل بس) وفي وطن جريح لا يمكن أن يولد السلام من طرف واحد و لا أن تُفرض (الدبلة) على شعب يريد ببساطة أن يشارك في (اختيار) قدره وتحديد مصيره فهو المكتوي بنيران الحرب
mtalab437@gmail.com

هشام احمد المصطفي(ابوهيام ) رئيس التحرير

من أبرز المنصات الإلكترونية المخصصة لنقل الأخبار وتقديم المحتوى الإعلامي المتنوع والشامل. تهدف هذه المنصة إلى توفير الأخبار الدقيقة والموثوقة للقراء في جميع أنحاء العالم العربي من خلال استخدام التكنولوجيا الحديثة والأساليب المبتكرة في عرض الأخبار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى